عبد الشافى محمد عبد اللطيف

333

السيرة النبوية والتاريخ الإسلامي

المهلب بن أبي صفرة وغيرهم . . . إلخ . والحروب عادة تكون مصحوبة بعمليات هدم وتدمير وإحراق وسلب ونهب ، أما حروب المسلمين في العصر الأموي فقد برئت من هذا كله ، وكانت حروبا نظيفة ؛ لأن المسلمين قرؤوا كتاب ربهم وسنة نبيهم ، وتوجيهاته في عدم المساس بالأهداف المدنية على إطلاقها ، فقد نهى النبي صلّى اللّه عليه وسلم عن هدم المباني العامرة وحرق الزروع والأشجار ؛ لأن الإسلام جاء ليعمّر الحياة لا ليهدمها ويدمرها . ولقد كان المسلمون يعون الإشارات التي كانت تصدر من النبي صلّى اللّه عليه وسلم في هذا المجال ويعملون بها ، فعند ما فتح النبي صلّى اللّه عليه وسلم خيبر ، كان ضمن الغنائم بعض صحائف من التوراة وقد طلب اليهود استثناءها من الغنائم التي حصل عليها المسلمون الفاتحون وتسليمها لهم لأهميتها عندهم ، فأمر النبي صلّى اللّه عليه وسلم بتسليمها لهم ، وهذا غاية الاحترام لتراث الآخرين حتى ولو كانوا مغلوبين . ولقد كان الأمويون يعرفون قيمة العلوم القديمة - ولقد ترجمت في عهدهم بعض العلوم الطبية - كما سنشير إلى ذلك فيما بعد . ولكن وسائلهم لم تكن كافية للقيام بعملية ترجمة في كل العلوم على نطاق واسع ، وسنعرف الأسباب بعد قليل ، لكن الذي نؤكد عليه هنا أنهم يعرفون أن دينهم هو دين العلم والمدنية ؛ لأن أول الآيات التي نزلت في القرآن الكريم على رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم كانت أمرا صريحا بالقراءة ؛ قال تعالى : اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ ( 1 ) خَلَقَ الْإِنْسانَ مِنْ عَلَقٍ ( 2 ) اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ ( 3 ) الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ ( 4 ) عَلَّمَ الْإِنْسانَ ما لَمْ يَعْلَمْ [ العلق : 1 - 5 ] ، ولقد أقسم الحق تبارك وتعالى بالقلم ، فقال تعالى : ن وَالْقَلَمِ وَما يَسْطُرُونَ [ القلم : 1 ] ، وأقسم بالكتاب فقال تعالى : وَالطُّورِ ( 1 ) وَكِتابٍ مَسْطُورٍ [ الطور : 1 ، 2 ] ؛ وهذا أعظم تكريم لوسائل العلم . أما الآيات القرآنية الكريمة والأحاديث النبوية الشريفة التي تحض على العلم ، وترفع من شأنه وشأن العلماء فهي أكثر من الحصر « 1 » . لكل هذا حافظ الأمويون على ذلك التراث العلمي العظيم الذي كان منتشرا في دولتهم من أقصى الغرب إلى أقصى الشرق ، وبصفة خاصة في مواطن الحضارات القديمة ، مثل مصر والشام وبين النهرين - العراق - وبلاد فارس . . . إلخ .

--> ( 1 ) يكفي أن يطالع الإنسان في هذا ما جاء في كتب الحديث الصحيحة مثل صحيحي البخاري ومسلم في كتاب العلم .